
قصة بقلم: أحمد راشد البطل
.
تنظر إلى عقارب الساعة بتوتر ، تصب جام غضبها على تلك الشحاذة الصغيرة التي تلح عليها .. يزداد انفعالها كلما مرت الدقائق .. فتلعن وسائل المواصلات .. تخشى أن تتأخر عليه كالعادة ، فتكون النهاية .. لم تتعود من قبل على هذا المزاج العصبي ، وتلك الشخصية المتسلطة ، وذلك الحب المفعم بريح القوة وذرات الوهن ، كثيرا ما أقنعت نفسها بأنها لا تحبه ، ولكنه يسكن ما تبقى من ضميرها الغائب ، وقلبها الميت ..
يحد لها خطواتها ، ويحذرها من المطبات بالرغم من بعد المسافات ، أخيرا يصل الأتوبيس مزدحما كالعادة ، تنحشر بين الكتل اللحمية المتراصة .. تنظر إلى الجالسين باستعطاف .. فيلوون أعناقهم بعيداً عنها .. يخيب ظنها في الجلوس ، تحاول أن تلهمه الصبر برنةٍ بسيطة ، تفاجأ بأن هاتفه غير متاح ..
تزداد لديها درجات التوتر ، وتشعر بأنها تنقسم على نفسها ، تعاود الكرة مرة أخرى ، فينعدم أملها في الرد .. تحاول للمرة الثالثة ، فربما لا يخذلها هذه المرة ، لكنه يفعل .. غير متاح ....
هي لا تعرف أحداً في هذا البلد الواسع .. كيف تعود لتقطع كل هذي المسافات البعيدة ، وقد أظلمت الدنيا من حولها .. تتذكر شهامته المفرطة ، وخوفه عليها .. تستبعد الفكرة ، تشعر بمن يحتك بها .. تحاول الابتعاد ، فتتحرك يميناً ، يصر على التحامه .. تتحرك مبعدة قدر استطاعتها نحو اليسار ، بينما يضغط عليها بقوة .. تصرخ في وجهه ، يردها بالشتائم ..
تمتلئ عينيها بالدموع ، يتبرع أحد الركاب ويجلسها ، تستنجد بالمحمول مرة أخرى ، فيصر على أنه غير متاح .. تتأكد بداخلها فكرة الخذلان ، فتسرع بكتابة تلك الرسالة : "أنا داخله على رمسيس .. أرجوك رد عليّا .. ، أنا لوحدي والدنيا ليل .."
تستجيب رسالتها هذه المرة ، تسرع في طلب الرقم ، فتعاودها خيبة الأمل، وتتأكد من إغلاقه للهاتف مرة أخرى .. يصل الأتوبيس إلى مكان اللقاء .. تبدو واجهة المحطة كعملاق كبير يلتهم تلك الأفراد المسرعين .. يلفظهم منهكي القوى.. تبحث بعينيها فلا تجده .. تتفحص الأركان ذهابا وعودة ، تنظر إلى كل السيارات ، تترقب كل الطرقات بلا فائدة..
تقترب من كشك الجرائد .. تشتري الجريدة التي يحبها .. تتسامر مع طفلة صغيرة ، فتستجيب لعطشها الأمومي .. تساعد عجوزاً في اجتياز الطريق ـ تهرب من نظرات الشبان المتلصصة على عينيها مرة وعلى قوامها مرات .. تنهر هذا الذي اقترب منها يبغي الكلام .. تنتهي من كل شئ يمكن فعله .. تيئس من قدومه .. تقرر العودة .. تتفادى العربات المسرعة ، يلتهمها الزحام.
كتبها محمود شوقي أبو ناجي في 03:23 مساءً ::
تعليقان
في11,نيسان,2008 - 03:58 مساءً, ثقة كتبها ...
دائما تسعدني اختياراتك
تحية لك من القلب
في13,نيسان,2008 - 07:16 صباحاً, محمود شوقي أبو ناجي كتبها ...
الغالية ثــقـــة
لمرورك وتعليقك الرشيق كل التحية والتقدير
تقبلي تحياتى
الاسم: محمود شوقي أبو ناجي
